المقريزي
95
المقفى الكبير
مصر ، فنزل بالناس من العرب والعشير بلاء عظيم . وقتل في هذه الوقعة الأمير كرت نائب طرابلس ، والأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير أيدمر الحلبيّ ، وبلبان التقوي ، من أمراء طرابلس ، وبيبرس الغتمي نائب قلعة الورق بمرقب ، وأزبك نائب بلاطنس « 1 » ، وبيليك الطيّار ، من أمراء دمشق ، ونوكاي التتري ، وآقوش كرجي الحاجب ، وآقوش المطروحي حاجب دمشق ، ونحو الألف من أجناد الحلقة والمماليك . وفقد قاضي القضاة الحنفيّ بدمشق ، حسام الدين حسن بن أحمد الرومي ، وعماد الدين إسماعيل ابن الأثير الموقّع « 2 » . وقتل من جموع غازان نحو الأربعة عشر ألفا . ثمّ إنّ غازان نزل وقت العشاء الآخرة على حمص ، وبها الخزائن السلطانيّة مع الأمير ناصر الدين محمّد ابن الصارم ، فأحاط بها وسار إلى دمشق وقد امتلأت أيدي أصحابه بالأموال الجليلة القدر . ولم يبق بدمشق إلّا القليل فإنّه وقع فيهم وقت الظهر من يوم السبت المذكور صيحة عظيمة خرج فيها النساء باديات الوجوه ، وترك الباعة الحوانيت بما فيها وتسارع الناس يخرجون من دورهم ، فمات في الزحام خلائق بأبواب المدينة . وبقي الناس في القرى ورؤوس الجبال كأمثال الجراد المنتشر . ومضى الكثير منهم إلى مصر . وخرج أهل السجون في ليلة الأحد فامتدّت الأيدي لنهب الأموال [ 88 أ ] من عدم الحاكم واجتمع من تأخّر من الناس بالجامع الأمويّ واتّفقوا على لقاء غازان . فخرج قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعيّ ، وشيخ الإسلام أحمد بن تيميّة في جمع موفور من الفقهاء والأعيان وغيرهم ، في يوم الاثنين ثالثه بعد الظهر ، فوافوا غازان على النّبك « 3 » وهو سائر ، فترجّلوا له وقبّل بعضهم الأرض . فوقف لهم ، ونزلت عساكره عن خيولها ، وقام الترجمان بينه وبين الناس - فطلبوا منه الأمان ، وقدّموا له شيئا كان معهم ، فلم يلتفت إلى تقدمتهم ، وقال : قد بعثت إليكم بالأمان - وصرفهم ، فعادوا إلى دمشق بعد العصر يوم الجمعة . ولم يخطب يومئذ في دمشق باسم أحد ، فوجدوا أمان غازان قدم من يوم الخميس . ثمّ اجتمع في يوم الجمعة المذكور جماعة من التتر عليهم إسماعيل التتريّ ، فاجتمع الناس يوم السبت ثامنه بالجامع وقرئ عليهم الأمان . وأقام إسماعيل بالمدينة ، وجمعت الخيول والبغال والأموال من يوم السبت . فنزل غازان على المدينة يوم الاثنين عاشره ، وعاثت عساكره في الغوطة وظاهر المدينة تنهب وتفسد ، وانتشروا إلى القدس فنهبوا الأغوار إلى غزّة وأسروا خلقا كثيرا . [ صمود أرجواش بقلعة دمشق ] وكان بقلعة دمشق الأمير علم الدين سنجر أرجواش ، فامتنع بها وأبي من تسليمها ، إلى يوم الجمعة رابع عشره ، فخطب لغازان على منبر دمشق ، وقرئ تقليد الأمير قبجك المستحبّ إليه بنيابة دمشق وحلب وحماة وحمص . فلمّا كان يوم السبت خامس عشره ابتدأ التتر في نهب الصالحيّة خارج دمشق فما عفّوا ولا كفّوا حتى قام ابن تيميّة في ذلك مع غازان ومنعهم ، في يوم الاثنين ثامن عشره . فانتقل التتار منها ونهبوا المزّة وداريّا وقتلوا كثيرا من الناس . فخرج ابن تيميّة إلى غازان
--> ( 1 ) بلاطنس : حصن قبالة اللاذقيّة ( ياقوت ) . ( 2 ) الموقّع أو كاتب الدرج ، السلوك 1 / 888 هامش 3 . ( 3 ) النّبك : بين حمص ودمشق ( السلوك ) .